مسجونة في قفص
- marammohamad0
- Dec 10, 2022
- 3 min read
كتابة: مرام محمد
10 كانون الأول 2022

أنا فتاة ناضجة أبلغ من العمر إثنان وعشرون عاماً، لكن في داخلي طفلة لم تتجاوز العاشرة من عمرها. أشعر مع مرور الوقت بأنني مسجونة في قفص الماضي الذي لا أستطيع الخروج منه، رغم توفر سبل التحليق والإنفتاح للحرية والنجاة.
المجتمع يتقدم ويتطور يوماً بعد يوم، فهو يقوم على الإنفتاح والتعرف على العالم وبناء العلاقات، وأنا لا زلت أتجنب سلوك ذلك الطريق لشعوري بأنه حقل ألغام ولا أمتلك الجرأة الكافية لعبوره والوصول إلى شط الأمان. على الرغم من أنني طالبة جامعية وتخصصي يتطلب العلاقات والمعرفة بالناس، فالصحافة لا تنجح بالصمت والتفرد.
دوماً أردد بيني وبين نفسي: "الماضي أفضل من الحاضر، فأنتِ على معرفة جيدة بما جرى وشعرتي به آنذاك لكنك لا تعلمي ماذا سيحدث معك اليوم وما يخبئ لك الغد". وفي كل ليلة أمدد جسدي المنهك على فراشي في الظلام الداكن وأعاتبها بشدة والدموع تنهمر على وجنتيكِ: لماذا لا تتخطين الماضي، ومن ماذا تخافين؟، أليس الحاضر بين يديك وأصابعك غير متشابهة، فما المشكلة إن تقدمتي خطوة للعالم وأعطيتهم فرصة؟ إلا أنني في كل ليلة أجد الجواب ذاته، بأن قريبي قد خذلني فكيف للغريب أن يكون وفي؟
السؤال هنا وهو في الحقيقة من أنا يا ترى؟ هل الطفلة التي كانت في الليالي تغفى في أحضان والدها، أم تلك الطفلة التي تم اكتشاف مرضها في صغرها؟ لقد تغيرت مع الوقت وأصبحت فتاة قوية رغم كل التحديات النفسية والجسدية التي واجهتني وأنا وحيدة بين الظلام والكتمان، فلم أشكي يوما وجعي ولم أطلب سنداً.
قالت لي معلمة اللغة العربية الأستاذة فكرت في المدرسة الإبتدائية؛ بأن الكتابة تساعد على الراحة وإطلاق صراح مخيلتي وأسراري للورقة والقلم. فبدأت بالكتابة لكن ها أنا اليوم بت أتعب من كتابة أحرفي وسرد آلامي ويومياتي. أصبحت أفكر بأن الكتابة هي مصدر فتح الجروح والذكريات الماضية، وليست ملجأ للسعادة والراحة كما أخبرتني. ومع مرور الأيام تعلمت الصمت، فبت أخبئ في فؤادي العديد من الأمور، لكنني في وقت ما أجد نفسي كالبركان الذي لم يعد بمقداره التحمل، فينفجر على أتفه الأسباب.
اليوم أصبحت إنسانة أخرى تسعى وراء الراحة أكثر من السعادة، اقتنعت بأن الراحة هي مصدر الفرح والأمان في حياتي. فمع مرور السنوات بين المرض والدراسة تحولت إلى فتاة أقوى تعرف جيداً بأن الضعيف لا حياة له في المجتمع، وأن المتعة هي في المغامرات التي نخوضها للبقاء على قيد الحياة. أما بالنسبة للعلاقات الاجتماعية؛ فأنا لازلت كما أنا لم أتخطى يوماً باب القفص، بل أكتفي بأن ألوح بيدي لمن يمر من أمامي وأطمئن على جاري، لكنني لا املك الجرأة الكافية لأخذ خطوة للتعرف على من حولي بعمق خوفاً من التعلق والوثوق الذي يؤدي إلى الخذلان المتوقع.
أنا إنسانة هادئة في طبعي أجلس طوال الوقت بمفردي بين الروايات والأفلام ومطالعة الأخبار، فلا يلفت نظري كثرة الناس وتجمعاتهم ولا أبالي لثرثرتهم وحياتهم، فأنا منشغلة بحياتي. أعترف بأنني فتاة وحيدة أجلس وحيدة بين جدران المنزل لساعات طويلة، لا إخوة بجانبي ولا أصدقاء. أبكي وأراجع ملاحظات هاتفي لكي أدون مشاعري وأسطر آلامي. فبعض كتاباتي أقوم بنشرها، والبعض الآخر أحتفظ بها لنفسي، ولكنني في الواقع أنا لست طيراً يعود إلى بيته، بل أخشى تصفح كتاباتي مرة أخرى وقرآءة مأساتي.
صريحة جداً لدرجة أنني في الكثير من الأحيان أجرح المتلقي بالحقائق والكلمات التي تصيب كالرمح منتصف فؤاده، ورغم كل ذلك يصحى ضميري البريء الذي لم يبعثره الزمن، فأبكي على فعلتي وأعاتب نفسي على طريقة أسلوبي رغم صدقي.
فبات عقلي أوعى بكثير مع كل عقبة مررت بها عبر السنوات والتي علمتني التفكير المنطقي، وعدم التخيل والإندماج في الأوهام، حتى لا يسقط قلبي على الأرض فيحطم إلى أشلاء ومن ثم يصعب علي ترميمه من جديد.
الأمر الوحيد الذي لم يتغير إلى يومنا هذا هو أنني لازلت أخشى عبور الطريق لأصل إلى متعة الحياة، مع أنني تلك الفتاة التي تعشق المرح وحياة الطفولة في آن معاً. فربما يأتي شاباً يغير تفكيري ومنظوري للحياة، أو أصاب بإدمان العمل فلا أعطي فرصة للتفكير بالماضي واقتحام حاضري ومستقبلي.
فأنا رغم كل مرارة الحياة وتجاربها القاسية، أبقى إيجابية وأنظر إليها بعين يملؤها الأمل بيوم مشرق بعيداً عن الآلم. في الواقع آثار الجراح لا تنسى ولكنها جعلتني إنسانة آخرى أكثر وعياً وقوة، جعلتني أتعرف على العالم وكيفية العيش والتعايش معهم.
فالوحدة بنظري مهما كانت مآساوية تبقى أفضل من علاقاتٍ وهمية، أو التواجد في مكان لا يرغب أحد بوجودك فيه. الوحدة راحة نفسية بإمكانك خلق عالمك الخاص وكيانك وأحلامك، فلا يأتي أحد يشغلك أو يغير أفكارك الذاتية التي من الممكن أن تكون عبقرية.
الورقة والقلم خلقو مني إنسانة أخرى قادرة على إيصال أصوات المظلومين قبل صوتي الجريح، فقد اكتشف نفسي وكيف أنني مسجونة في قفصي منذ أعوام طويلة. أما مرضي فجعلني أكثر قوة وصبراً، والمصاعب خلقت مني الشجاعة.
اليوم أنا ضعيفة ومكسورة الجناح، أتمزق من الداخل وخارجي صامد يبتسم لمن حولي. أكثر عزلة وأكثر خوفاً من حاضري ومستقبلي، لا أمتلك الشجاعة على التعرف على العالم وبدأ أي علاقة جديدة، لكنني مؤمنة وعلى أمل بأن يوماً ما هناك يداً سوف تقوم بتحريري وشفائي بإذن الله.



Comments